الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 قناديل الليالي المعتمة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد الخروصي
Admin
Admin
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 308
العمر : 29
الموقع : www.alawbi.4umer.com
تاريخ التسجيل : 11/12/2007

مُساهمةموضوع: قناديل الليالي المعتمة   الثلاثاء أبريل 29, 2008 1:49 pm

نار الذاكرة

ها أنا ذا الآن في ثوب الكهولة.
ومتى كنت غير ذلك؟
يخيل لي أحياناً، أني لم أكن طفلاً أو شاباً قط.، فقد كنت رجلاً منذ مولدي، .. منذ تلك اللحظة دخلت قلب النار... بل يبدو لي أني كنت في قلب النار حتى قبل مولدي...... وأن النطفة التي خرجت من صلب أبي ليست إلا جمرة أشعلتها، سنوات الحزن والموت ومرارة الفقد والضياع....، شأني في ذلك شأن كل الرجال في القرية.
القرية التي لازالت تحتل ذاكرتي بكل ما فيها من صخور وأودية وطرقات، وأشجار، وبيوت حجرية عتيقة.
في كل يوم حين أضع رأسي فوق وسادتي، تلتف جمجمتي بذكراها...، أدخل إليها، أمشي في طرقاتها، أتفقد بيوتها المتخاصرة على أطراف الأزقة الضيقة. ،،، أنادي أهلها، فأسمع أصواتهم كما لو أنهم أمامي الآن.
يؤرقني صهيل خيولها، وجلبة أطفالها... أقف في ساحتها- أتذكر وجوه لداتي جميعاً، .... أبتسم حين أتذكر خيباتنا المشتركة، وأبكي حين يغمرني الحنين.
وعندما يغلبني النوم، تكون أحلامي قد تهادت فوق أمواج بحيرة طبرية التي لازالت تحتفظ بوجوهنا ورائحة أجسادنا.
كيلو مترات فقط تفصلنا الآن عن القرية، فها نحن على الضفة الأخرى، قبالتها تماماً، وبالتحديد في المكان الذي شهد خروجنا، يوم حملنا جراحنا وصرر ذكرياتنا عبر النهر وعبر الأودية والهضاب وأشواك البر.
مشاعر شتى تتنازعني الآن، وسط جلبة الرجال المدججين بالسلاح والترقب والأمل والخوف.
انظر في وجوههم.....، شباب في مقتبل العمر، بعضهم كان جمرة في رحم أمه يوم خروجنا، وبعضهم دخل المخيم عارياً فبنى جسده عنوة تحت حرارة الشمس، وهباب المدن، وثلوج الشتاء والطرقات الموحلة.
فمن قال: إن الكبار يموتون وإن الصغار ينسون!!؟.
ألم يخطر له، أن ذاكرة الناس تتوالد كما الأجنَّة في الأرحام؟.
وأن رماد المواقد القديمة هو حاضنة النيران القادمة؟
يا إلهي.... لحظة المواجهة قادمة لا محالة، ... ساعات فقط، وسنعبر النهر، ..... ساعات فقط وسيسجد النهر تحت أقدامنا.
سنعبر في الاتجاه المعاكس، سيعرف الماء طعم أجسادنا، وستعرف الصخور حرارة أنفاسنا، وصدى لغطنا.
لا أدري لماذا لم يخطر لي حتى الآن، ... كيف سنواجه العدو إذا اعترض سيرنا، رغم كل الخطط التي حفظناها وجهزنا أنفسنا لخوضها!!؟.
الهاجس الذي يغمرني الآن.
كيف سأواجه نفسي عندما نصل إلى هناك؟.
وكيف ستكون مشاعري عندما أشتم رائحة جسدي المجبولة بتراب الكروم والبساتين؟.
وماذا سأفعل عندما أجد نفسي وجهاً لوجه مع البيوت المدمرة- والطرقات التي حملت ملامحي؟
يخطر لي أن أذهب فوراً إلى قبر أبي لأسلم عليه، وعلى كل الذين ذابت أجسادهم في تراب البلاد، فظلوا خميرةً لأحلامنا القادمة.
آخ يا أبي لو تراني الآن....!
صرت مثلك تماماً، رأسي يشتعل بالشيب، وتغضنات وجهي تشي بالشقاء، وبندقيتك التي زغردت يوم موتك ولدت في أعماقي بنادق كثيرة.
يوم مات أبي، اختار عمي أن يودعه بالرصاص.
ففي اللحظة التي ارتفع فيها النعش على الأكُف، وسط تكبيرات الرجال ونحيب النساء،...
ركض عمي إلى حجرة والدي، التي بدت كأنها مهجورة من ألف عام، وخطف بندقيته المعلقة فوق مسمار صدئ خلف النافذة الخشبية، ثم أشرعها في الفضاء...، كانت الطلقات الأولى متلاحقة، ثم تباطأت رويداً رويداً على امتداد الطريق إلى المقبرة.
وداع والدي بالرصاص، أضفى على جنازته شيئاً من المهابة والعظمة، حيث ابتلع دوي الرصاص جلبة المشيعيين وتكبيراتهم، وارتسم في أذهان الجميع حالة خاصة لوداع رجل عظيم.
ورغم حزني الشديد في تلك اللحظة فإن إطلاق الرصاص قد منحني الكثير من الرصانة والهيبة والتماسك، وتعلقت عيناي منذ الطلقة الأولى على بندقيته المشرعة بين يدي عمي المرتجفتين.
كانت بندقية ذات أكرة بيضاء مستديرة لامعة، وقد بدت كأنها خرجت للتو من أيدي صانعيها، ... أو كما كانت يوم تسلمها والدي من مكتب المقاومة الشعبية في القرية. قال الشيخ لعمي: توقف يا رجل، كفى رصاصاً، فها قد اقتربنا من القبر، أجاب عمي: إطلاق الرصاص سيكون راحة لنفسه، ألا تعرف يا سيدي أن جسده مجبول برائحة السلاح؟ ..................
ساعات وتأتي المواجهة، فهل سأكون قادراً على الاحتمال؟.
غاب ناظراي في الغابات والأودية وعلى امتداد الطرقات اللامعة وسط بساط الخضرة، وقد خيل لي أن آثار أقدامي يوم رحيلنا لازالت على الطريق، وبدت لي الأشجار وقد كبرت كثيراً فأخفت خلفها الكثير من المعالم والطرقات.
الشيء الوحيد الذي لم يتغير أبداً... النهر... فما زال حتى اللحظة ينحدر مزبداً بين الصخور، يرتفع هديره كما كان يوم اجتزناه حفاةً تحت وطأة الموت، وسقط الكثيرون منا في مائه وقد أوهنهم الخوف والتعب والجراح ورغبة الصعود إلى الحياة.
استيقظت في داخلي آلام الأشواك التي علقت بأجسادنا يومذاك، والتي لازالت تنزَّ صديداً موجعاً حتى الآن.
تلمست جسدي. شددت قبضتي على صدر البندقية، وتناهت إليَّ من أعماق الصخور والأودية أصوات متداخلة لشيوخ وأطفال ونساء لازلت أذكر وجوههم، وقرأت في عيون الرجال من حولي الكثير من المشاعر، والكثير من الأسئلة.
بدأت الشمس تزل عن قبة السماء، ومعها ارتفع وجيب القلوب ومشاعر الحنين والخوف والتحدي.
تفقدنا الأحزمة، والقنابل، وحقائب الرصاص، ومطرات الماء، ورباطات الأحذية المطاطية، ومخزون الطعام، وتبادلنا الرأي حول المعابر والمخارج، والاحتمالات.
ورغم حرارة اللحظة ظلت ذاكرتي تبحر في البعيد البعيد.
لا أدري لماذا حين يدخل الإنسان دائرة الخطر يصبح الماضي أمامه بكل ما فيه؟
الآن تنداح في داخلي وعلى شفتي كل الأيام التي عشناها هناك، وكل الوجوه التي شكلتها أحداث القرية ومواسمها وأحلامها.
قال أحدهم: ذاكرتك هي وقود اللحظة الراهنة.
حدثنا عن القرية والجبال والأودية والطرقات، وآثار آبائنا، وعندما نصل قل لنا أين بيوتنا؟.نريد أن نراها.... أوصانا الكثيرون من رجال المخيم ونسائه أن نمرَّ على الكروم والبساتين، أن نلامس أشجارها، وأن نحمل لهم صرراً من تراب السهول.............
تتربع قريتنا فوق بساط صخري عَمِلَ فيه منشار الزمن حتى بدا على ارتفاعات شاهقة في معظم أطرافها، ولا سيما تلك المطلة على فلسطين، والمقابلة تماماً لبحيرة طبرية... فمن هناك تنهض الصخور على ارتفاعات يصعب اجتيازها إلا عبر ممرات إجبارية حفرتها الأيام والأقدام حتى صارت معابر سلكها العابرون إلى فلسطين عبر آلاف السنين، ... وتشكل البحيرة بيضة فضية تلتقي في أعماقها ظلال البيوت على الجانبين، وتتعانق فيها خيوط الضياء المشدودة إلى نوافذ البيوت الحجرية العتيقة، كلما أوغلت الشمس في الاختباء خلف جبال فلسطين، تاركة خلفها بقايا النهار تلعب على سطح البحيرة لتندحر رويداً رويداً أمام الأضواء الخافتة المولودة من فراغات النوافذ، وأمام النجوم السابحة التي لا تلبث أن ترتمي في أحضان الماء لتلتف حول القمر الصيفي الذي يختبئ في قعر البحيرة كلما أمعن الليل في الرحيل.
وكثيراً ما تنعكس بيوت طبرية في مرايا بيوتنا الملتصقة بالجدران الطينية العتيقة، حتى تآلفت مع وجوهنا وعَمِرَت بها مآقينا.
ومن جهة الشرق تلتحف القرية بسهول فسيحة لها طعم الحياة، تفوح من تربتها الحمراء رائحة القمح والشعير والذرة البيضاء والسمسم والكتان، والبيقياء، والعدس، والخضار بأنواعها، وتستمر السهول في امتدادها حتى تدخل في حلق وادي مسعود الذي يزنر القرية على امتداد حدودها الشرقية، ولهذا الوادي ارتباط وثيق بحياة القرية وأهلها، ومواشيها وأطفالها وفتيانها، فعلى كل قمة من قمم الجبال المتآخية على جانبيه صدىً لقصة حب، أو موالٍ حزين لعاشق محروم، أو أصداء رتيبة لأجراس المواشي وهي تلج السفوح على أنغام الرعاة وحداء العابرين.
وعلى جنباته أيضاً تبدو بصمات التاريخ عميقة، حيث تنهض الصخور العملاقة والكهوف التي تحمل جدرانها رسوماً وأوشاماً لأولئك الذين تفجرت عبقريتهم فأبدعوا التاريخ وأبدعوا الحياة، رغم كل العواصف التي شهدتها المنطقة، فلا تكاد تلتفت يميناً أو شمالاً حتى تطالعك الكثير من الآثار والأوابد الملتصقة بأشجار البلوط العملاقة، وأشجار الملول واللوز والقندول والسدر والرتم، ... وعلى امتداد مسارات المياه تنبت أشجار الدفلى والعليق البري، تفر منها أزاهير حمراء بلون الدم، ولون الشفاه المترعة بنار شوقها، لتشكل مع ألوان الأزاهير الأخرى بساطاً نادراً يلهب الخيال، .. تحلق به الروح لتجتاز قمم الجبال وتلتحم مع فضاءات مفتوحة إلى عوالم أخرى لا يمكن للمرء إدراكها إلا إذا عاش بنفسه تلك الحالة الخاصة التي شكلت نسيج أهل القرية، والقرى المجاورة لها ولا سيما تلك التي ارتفعت على سلالم الجبال في الشرق، والتي تنام على بساط الخضرة، وأنغام المياه المتدفقة عبر نهر اليرموك إلى فلسطين.
وفي الشمال تتشبث الكثير من الأودية والقلاع بخاصرة القرية حتى بدت جزءاً منها ومعبراً لها نحو خط الصخور الذي يمتد في عمق الشمال ليضعك أينما وقفت قبالة فلسطين بمدنها وسهولها وقراها وجبالها، وفي أحيان كثيرة يخيل إليك أن بحيرة طبرية قد ولدت من رحم الصخور المنحدرة نحو الغرب، والتي تفجرت الينابيع في جنباتها حتى شكلت حزاماً مائياً عذباً وقد حملت هذه الينابيع أسماءها الخاصة وقصصها الخاصة أيضاً وقد ورثها الآباء عن الأجداد.... كعين العرائس، وعين قروح، وعين النسوان، وعين النمر، وعين البيك، وعين البئر، وفي الشرق عين التليل وعين العريض وغيرها.
ولهذه الينابيع عذوبة أهلها وطراوة أرواحهم، فهي تنبجس من أطراف الصخر جداول تترقرق بين أشجار الصفصاف والتين والزيتون والصبار والسدر، شأنها في ذلك شأن كل الطرقات التي تمتد في خطوط متعرجة بين الأمام فتبدو للناظرين من بعيد كأنها الأحلام التي تخترق الآماد كلها وصولاً إلى فلسطين.
ولازالت أطرافها تحتفظ بصهيل الخيول وأصداء السيوف عبر مراحل تاريخية متعاقبة يحفظها أهل القرية أباءً وأجداداً... ولازال الكثير من التلال ينهض على تلك الأجساد التي قبضت على أحلامها رغم موتها، وفي بطون الكهوف لازال صدى الزغاريد معلقاً، ولا زالت همهمات الرجال على أطراف الريح، تحملها شرقاً لتعانق جدران البيوت فوق الصخور، وتحملها غرباً لتمتد صدىً مع أمواج البحيرة، ولتظل في ذاكرة الناس حكايا ومواويل وحداءً وغضباً وأحلاماً.
ويبدو ذلك جلياً في أعراس القرية وطقوسها، فإن اجتمعوا للحصاد انعقدت حناجرهم على التاريخ، وتعانقت أحلامهم وأمجادهم مع صدى مناجلهم وهمهماتهم، .... وإن كان الحزن يمتد خيطاً رفيعاً بلون الدم إلا أن ذلك لا يلبث أن يضيع في أعطاف أمجادهم التي تلوح لهم في كل صباحاتهم المشرقة، رغم الكد والتعب والظلم الذي أحاق بهم تحت سطوة الإقطاع الذي امتد زمناً وتهاوى تحت ضرباتهم في أيامهم التالية.
وليبادرهم طعم النشيد وعذوبة النور الممتد من قبة السماء حتى يذوب في سيقان القش الذهبية المتراكمة، والمتلألئ عرقاً على جباهٍ سُمْرٍ لونتها الشمس، وغبار السهول الملتحمة بالأفق، وفي ذاك الموسم تبدو الخيول راكضة تجر نوارجها على أناشيد الصبية وهرج الرجال، وهم ينهضون من ظلال عرائشهم ليصنعوا حياة أطفالهم وأمانيهم الممتدة في بطون المواسم القادمة.
وما إن تغرب الشمس وتهبط رطوبة المساء، حتى يتحلق الجميع على حكايا أجدادهم، ... بينما تُشد الخيول إلى أوتادها، وهي تذب بذيولها، وكأنها تستولد الهواء الذي يجفف عرقها، ويخفف عناءها الذي يمتد على نهارات الصيف كلها.
وأحياناً تشنف آذانها وكأنها تشارك الفلاحين أحاديثهم، ولغطهم الذي يمتد، ويمتد حتى يغيب رويداً رويداً مع أفول القمر الذي يمضي ليستقدم الشمس، والصباحات الندية الجميلة.
وفي السنوات الأخيرة، ربما تغيرت الطقوس، حيث صار الرجال يغادرون إلى أماكن أخرى يجتمعون مساءً في مكتب المقاومة الشعبية الواقع في منتصف القرية والمؤلف من غرفتين حجريتين يكسوهما الطين المدلوك بالتبن، وتغطيهما دالية الكرمة التي تمتد أغصانها حتى تلامس رؤوس الداخلين والخارجين.
ومن هناك يحملون بنادقهم ويتوزعون على طول الانهدام الصخري المحاذي لبحيرة طبرية في كمائن متجاورة أحياناً، ومتباعدة أحياناً أخرى... ليرقبوا كل المعابر المؤدية إلى القرية، فتختلط فيهم رائحة السلاح، وغبار السنابل، وعرق النهارات المشمسة.... وتنمو في دواخلهم أحلام المواسم القادمة مع أحلام أخرى تحملها فوّهات بنادقهم، وتمتلئ بها حقائب ذخائرهم.
ولئن كانت المناجل تلتمع في ذاكرتهم على الدوام، فهي لا تلبث أن تتوحد مع انحناءات الزناد في بنادقهم...، وإذا كان حداء الحصاد ما يشنف آذانهم نهاراً، فإن هسيس الأعشاب، ورائحة الليل، وصمت الظلام، ودبيب الحيوانات البرية، ونقيق الضفادع، وخرير مياه الينابيع والتماعات النجوم في مداراتها... وكل الأصوات القادمة من بعيد هي ما يداعب آذانهم، وهم يمسكون بنادقهم على طول خط وقف إطلاق النار.
ورغم معرفتهم بكل الأشجار والصخور والطرقات، فإنهم يعاودون تشكيلها... ويرقبون مظاهرها، ويشتمون نسائمها من جديد....
ليعرفوا تماماً أي شيء غريب يمكن أن يداخلها...، ومع بزوغ الفجر يعود الجميع إلى مناجلهم وحقولهم وبيادرهم، وجلبة أطفالهم، وشقاء نسائهم، وهمهمة مواشيهم، وأنغام أجراسها وهي تغادر إلى مراعيها، .... وتظل البنادق عامرة بأحلامهم. وعلى وقع خطواتهم تتجه من جديد إلى كمائنهم المحددة إلى جانب أفراد الجيش المنتشرين على طول الخط الذي فرضته اتفاقات الهدنة الموقعة عام 1949، والتي جاءت بعيد حرب الإنقاذ وفشل الجيوش العربية التي خاضتها ضد العصابات الصهيونية، وخلافاً لاتفاقات سايكس بيكو الاستعمارية وتقرير المبعوث الدولي الكونت برنادوت الذي اغتاله اليهود انتقاماً لما جاء في تقريره من مقترحات لا تخدم أطماعهم... وفي كل الحالات فقد جاءت اتفاقات الهدنة هذه لتقضم أجزاء جديدة من أراضي القرية الواقعة شرق البحيرة.
والمقاومة الشعبية التي شكل الفلاحون قوامها هي محاولة لإنشاء قوة شعبية مسلحة إلى جانب حركة المجاهدين التي تم تأسيسها بعيد حرب الإنقاذ مباشرة، والتي تحولت فيما بعد إلى قوات الحرس الوطني التي شكلت رديفاً للجيش النظامي حتى حرب الخامس من حزيران 1967 .
وثمة ظاهرة ربما تفردت بها قريتنا عن سواها، وهي كثرة الوافدين إليها من أمصار شتى، حيث جاؤوا وهم يحملون قصص حبهم أو ثأرهم، أو تمردهم، .... أو جاءت بهم ظروف وأحداث تاريخية هامة- شهدتها المنطقة برمتها.
وإن كانوا جميعاً يحملون ملامحهم الخاصة وأحلامهم وأحزانهم ومحاولات تفردهم إلا أنهم ما لبثوا أن انخرطوا في حياة القرية، يساعدهم على ذلك الكثير من العوامل المشتركة التي صنعها التاريخ والجغرافية، حتى أصبحوا جزءاً منها وعاملاً أساسياً في صنع أحداثها... والقرية من هذه الناحية صورة صادقة عن المنطقة كلها حيث شكلت عبر التاريخ خلاّطاً بشرياً حضارياً تمازجت فيه الهجرات والأفكار ثم انتشرت من جديد وهي تحمل جذرها العربي الأصيل.
والكثير من هؤلاء الذين وفدوا إلينا نسينا قصص مجيئهم... وقد كانوا جميعاً ذاكرة القرية وسجل أحداثها.
ولعل الوجه الذي لن أنساه أبداً وجه المرشح عبود النايف الذي كان وصوله لقريتنا حدثاً هاماً. حيث تسلم قيادة المقاومة الشعبية فيها، ولازلت أذكر تلك اللحظة التي عرفته فيها للمرة الأولى....
كنت أنا وسالم الوحش وقد عدنا للتو من رحلة صيد في وادي مسعود. لازلت أذكر تفاصيلها كما لو أنها الآن.
يومها هبطنا حلق الوادي، فداهمت أنوفنا رطوبة الأشجار والصخور وفوح الأزاهير التي بدأت تلتمع تحت فضاء فضي زاحف من قمم الجبال في الشرق- حيث ولدت للتو بيوت القرى على أدراج التلال، فبدت كتلاً رمادية في بحر الخضرة الداكنة وتعرجت في بعض جوانبها خيوط هادئة لدخان المواقد التي أشعلت نارها من قلب رماد قديم، وبدأت تصل إلينا أصداء متداخلة لأصوات استيقظت من عمق الفجر.... أجراس ناعسة لمواشٍ يسربلها الندى، وتراتيل مقطعة من مآذن بعيدة.... بعيدة.
ومن السفوح التي بدأنا بولوجها انفجرت لوحات آسرة لشدو الطيور وتغريدها، وكان أشدها وقعاً أصوات الأحجال وهي تهبط نحو الينابيع المنبجسة من طيّات الأودية وانهداماتها، وتغريد البلابل فوق أشجار البلوط والسدر والقندول والبطم.
.. نصمت حيناً، ثم نتابع المسير، مخترقين الغابات والآكام نحو مبتغانا، ونحن نسبر الطرقات والمعابر بحثاً عن آثار حيوانات البر التي اعتدنا اقتناصها، إلى أن قادنا القصّ إلى وكر معتم في ضفاف صخرة عملاقة، وهناك جثونا نسوي المكان، حيث سنغرس فخاً حديدياً له شكل دائري مسنن أشبه ما يكون بالفك في حالات إغلاقه وانفتاحه اشتراه سالم الوحش من الحداد يوسف في مركز المنطقة حيث دفع ثمنه مداً من القمح المغربل.
وبعد أن سوّينا الأرض تماماً غرسنا الفخ في التراب وأرسينا وتده الحديدي، بعد أن موّهنا جنازيره بأوراق الأشجار وبقايا الأعشاب اليابسة.
درنا حوله مرات عديدة بحثاً عن علامات المكان المميزة...
ثم اختفينا بين الصخور، وغرقت أنظارنا في بحرٍ من الصمت والترقب والأمل.
وحين أشهب الأفق، بدت لنا قمم الجبال وأشجارها أكثر زهواً وشموخاً على صدر الشرق، وعلى أطراف الصخور وأغصان الأشجار التمعت أجنحة الطيور مذهبة بنثار الشروق، ومن الهضاب البعيدة تناهت إلينا أصداء مقطعة للفؤوس التي بدأ أصحابها بالاحتطاب، وثغاء الأغنام التي امتلأت بأعشاب الأودية ومياهها.
وما أن لامست وجوهنا خيوط من الدفء، حتى نهضنا وقد تنازعتنا هواجس الأمل والخيبة في آن واحد، مخلفين وراءنا بقايا الأعشاب اليابسة التي انحنت تحتنا، وأطراف الصخور التي طار نداها مع حرارة أنفاسنا، وربما ظلت أهدابنا على مرآة التلال في الأفق.
عدنا إلى المكان محملين بثقل الانتظار والترقب والحذر، نمشي حيناً، ونقف أحياناً، وتدور آذاننا في فضاء الصباح. ثم نجفل فجأة حين تطل علينا بعض حيوانات البر من أعالي الصخور فتفر مذعورة تحت هول المفاجأة.
قال سالم: لسنا وحدنا نبحث عن الصيد، الثعالب والضباع، والثعابين وكل حيوانات البر تبحث عن صيدها.... الكل يريد أن يأكل.
ثم انقطع حديثنا على صلصة الجنزير الحديدي الذي موّهنا قبل قليل...، أسرعنا الخطا، أشرقت وجوهنا بالأمل... ركضنا، قفزنا فوق الصخور، راقبنا المكان جيداً ثم اقتربنا،... كانت أسنان الفخ تنطبق على رجل ثعلب، وهو يحاول الإفلات بكل ما أوتي من حيلة، يقفز في الفراغ، ثم يهبط، ويخر على الأرض، يشد رجله، يسحب الفخ يميناً وشمالاً، يعض الجنزير الحديدي، ويرفع رأسه نحو السماء، وقد انكشفت أسنانه، وعلا عواؤه، وسال الزبد من شدقيه
ثعلب!!!، وما عسانا أن نفعل بك؟
لعنة الله عليك، لقد جرعتنا الخيبة، نحن نريد أن نأكل أيها اللعين.
ناوشناه من بعيد، كشر عن أنيابه، واحمرت عيناه، وضاع جهده في الاتجاهين، ....تارة يهاجمني، وأخرى يهاجم سالم، يندفع، فيشده الجنزير خلفاً، فيكبو...
استمر في محاولاته، حتى بدا أن اليأس قد خالجه، فارتمى على الأرض، وقد امتلأت عيناه شرراً ودموعاً، ... صارت خيبتنا مشتركة.
حاولت الاقتراب منه أكثر، ... ناوشته بحذائي، فناوش قدمي من بعيد، ... درنا حوله مرات عديدة...
كانت عيناه تغمضان حيناً، وتنفتحان أحياناً، حتى بدا وكأنه على حافة الموت. فأثار شفقتنا.
اقترب سالم أكثر، واقتربت أنا أيضاً،... طباع الثعالب نعرفها، لكنه فعلاً على حافة الموت... سنطلق سراحك أيها اللعين، ... مددت يدي نحو مفتاح الفخ، تحركت أهدابه قليلاً، تململ منهكاً، فتراجعت ثم هب كالسهم، فارتمينا معاً نحو الخلف، وحين سقط على الأرض عاد ليعض الجنزير من جديد، وازداد الشرر في عينيه، وأطلق عواءه نحونا.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alawbi.4umer.com
 
قناديل الليالي المعتمة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتدى القصص مؤثره :: منتدى الكتب :: منوعات-
انتقل الى: