الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 اخاف ان يدركني الصباح

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد الخروصي
Admin
Admin
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 308
العمر : 30
الموقع : www.alawbi.4umer.com
تاريخ التسجيل : 11/12/2007

مُساهمةموضوع: اخاف ان يدركني الصباح   الثلاثاء أبريل 29, 2008 2:00 pm

أخاف أن يدركَني الصبـــــاح


مهداةُ إلى صديقي "أبو عرب"
الذي ما زال في الأسر..

هل كان الأمرُ يستحق كلََّ هذا العناء.؟
تحدّثي عنّي يا شهرزاد، فأنا الحكاية..!
أذكر أمي وأغنياتها المخنوقة، تطوي قنباز أبي المقصّب عند عودته قبيل كل مساء، وتسجّيه برفق كأنه قطعة من حكاياتك، فوق صندوق خشبي محدّب.
ثم تغسل حطتّه البيضاء الحريرية، وتبقى واقفةً على عتبة باب الدار تنفضها في وجه الريح حتى تجّف، تعلقُّها على المسمار.. فتنصبّ برّاقةً مثل شفرة سيف مسرور..
تفعلُ كذلك كل مساء..
يجلس والدي على حجر أسود عريض، مزروع منذ قرون في مكانه خارج باب الدار..
يصفق بيديه، فتهبط رفوف حمامِ، تملأ ألوانها الزاهية الساحة الترابية، ينثرُ حبوب الذرة.. ويبدأ صراعُ حميم بين الطيور الأليفة، ويضّج الفضاء بصوت الهديل..
نخرج متراكضين وراء بعضِنا يأخُذنا حماسُ اللعب، فتفزعُ الطيورُ إلى حين، تقفزُ مرتفعةً، تدركُ أن الأمر لا يستحق، تحطُ ثانيةَ بين يديه..
يتبعنا صوتُه الأجش..
- اقلب تقلب ترضع..
فنتوارى بين أشجار الخروب البعيدة حتى نرى شبحه المسربل بالأبيض يغيب داخل الدار، ندركُ أنه سيدخل المضافة، يحمّص القهوة، ويستعدُ لاستقبالِ الرجال..
يحمل بين يديه أخي سعيد وسنوات عمره الثلاث، يسجّيه على فراش رقيق، يحرصُ أن يستقبلَ وجهه الجنوب، ويهيل على جسده حطّتَهُ البيضاء، يغلق باب الغرفة الأخيرة بالمفتاح، تلحقه أمي تضرب على صدرها، يمسكها، يكتم صوتها بكفّ يده الكبيرة..
- إذا سمعتُ صرخةً واحدةً.. أنت طالق..
كان القيد ثقيلاً يا شهرزاد..
كأنني ثور "أبو حسن" الذي جنَّ فجأة، وراح يطعن بقرنيه كل عابر سبيل..
يومها شدّوا قوائمه بقيد واحد. أربعة أساور من حديد، تجمعها جنازير قصيرة.
مطويّ على صندوق أمي المحدّب..
أطرافي الأربعة تتوجّع، وتبصقُ دماً وصديداً أصفر اللون..
كنت مثل قطّة.. أنطوي تحت نافذة غرفة أمي.. يتسرّب لهاثها إلى أذنيّ، أسمع أنينها المكبوت، وتلفحُني بين الفينة والأخرى أنفاسُها الحرّة..
تهمس ولا تجرؤ حتى على الحزن..
- سعيد مات يمّا.. بدال ما يحضروا طهوره، يحضروا جنازته..
وتنهال على صفحة وجهها دموع ما رأيت مثل غزارتها كلَّ عمري.. شممتُ رائحََها ممسّكةً تنبعث سخيّةً من "مناسف" البرغل والرز..
يومها لم أبكِ..
بقيت صاحياً.. لم أنم، وحين شقَّ صوت المؤذن حلكة العتمة، يفسح الطريق أمام زحف فجر جديد، أدركتُ أن الشمس ستستبيح بأشعتها الصفراء الساحات والدور والبيادر كما في كلِّ صباح..
صوته يضرب أذنيّ في اللحظات الحالكات..
- البكا للنسوان يابا..
لو قلتُ آه واحدة، أعطيه انتصاراً ليس له مثيل..
صدّقيني، لقد ضاقت سبل المعركة، ولم يتبقَّ في ساحتِها إلا أنا وهو.. أنا أو هو..
كنت أحمل بارودة، أعلّق على ماسورتها صبوتي، وتحدّثُني كما حكاياتِك، تركّبُ انتصاري ليلة إثر ليلة فأراه بارقاً مشعّاً.. وتحمل همّي وحُلمي..
اليوم أحملُ قيدي..
تحسستُ أطرافي فوجدت فيها بقيةَ من حياة، تقول لي:
- ما زلت هنا، وما زال هنا، والمعركة مفتوحة..
عيناه الزرقاوان الغائرتان، وفمُه الصغير الصارم الخالي من الشفتين كأنه يرجوني، يقسم علي لو أقول آهِ واحدة، ليخلصّني من العذاب..
كيف أعطيه تلك المتعة، وذلك النصر.؟
كان القيد ثقيلاً يا شهرزاد..
حملتُه ثلاثين يوماً، صار قطعةً مني.. مثل يدي وساقي ورأسي..
رفاقي يحشونه خلسةً بالخرق، لتفصل بين حوافيه الحادّة ولحمي..
لو قلت لك لن تصدّقي، لو ينزعونه عني سأفقد إحساساً رائعاً..
أراه يعتصر خيبتَهُ وهو يتابع خطواتي المطّوية تحت ثقل جسدي، تقول لي شفتاهُ المعصورتان حتى الاختفاء..
- لو تقول آهِ واحدة..
كان النطعُ أقرب إليك من الوريد، جمالُك يا شهرزاد ألقى بك تحت شفرةِ السيف..
ذلك المأفونُ يملك كلُّ شيء حتى رقاب الناس، وأنت في ثوبك الشفيف، ورهبَتِك وخوفك..
كيف خلقت سبيل خلاصك.. وأيقظتِ شهوتَهُ ألفَ ليلةِ وليلة.؟ ثم أجهزتِ عليه..
كان الوقتُ مساءً والشمسُ تودّع النهار على حدود الأفق، يركض بفرح، يحسُّ أن الحفلَ وهذا الجمهور يعنيه، تتعثّر خطواته الصغيرة، يسقط في الحفرة المعدّة لشواء الذبائح، يأكُلُهُ الجمر ويموت..
هل يستحق الأمر كل ذلك العناء.؟
يوم غلبني نزيفُ القيدِ واستهلكَ دمي، حملوني إلى المستشفى.. قالوا وهم يحسبون بأنَهم يزّفون لي البشرى، إنهم استبدلوا بمدير السجن الذي لا يحسنُ الترويض، ضابطاً جديداً..
نزعوا القيد من أطرافي، جاهدوا ليقتلعوه من لحمي الذي انغرز فيه، وترك مكانه حتى اليوم ندباً وبثوراً زرقاء وسوداء..
جلس قبالتي ينقر بعصاه القصيرة على الطاولة، ينظر في وجهي بقلق، ويقضم غيظه، ثم همهم:
- تراجعا عن إعلان الإضراب.. أرسلنا طاهر إلى سجن الرملة.. ومحمود إلى مستشفى الهداسا..
ازدادت سرعة نقرات عصاه على الطاولة، كأنه يوصل إلى لهفتي رسالةً واعدة.. ثم دفعها بقوة حتى لامست صدري..
- ماذا عنك..؟
يقولون إن سجن الرملة "للأوادم"، نسمع كثيراً عن حياة الترف التي يعيشُها المعتقلون فيه قياساً إلى المعتقلات الأخرى، ونعرف أيضاً ماذا يعني قضاء مدّة اعتقال في مستشفى..
الناس تنتظر شيخ البلد ليطهّر الصبي..
يومها رأيت أبي يمشي لأول مرة بانكسار وراء نعش سعيد، يخفي قنبازه المقصّب تحت عباءة سميكة، ويلّف رأسه ونصف وجهه بحطّة منقطّة غامقة اللون..
لأنني من أقدم المعتقلين، كنت واحداً من ثلاثة ننظّم حركتهم، اتفقنا على إعلان إضراب شامل واعتصامِ داخل القواويش في الخامس من أيار القادم، المصادف لأول زيارة يقوم بها وزير الأمن، ومدير السجون، والمحافظ ومجموعة من مرافقيهم..
كنت أعلم أن تراجعي يرسلني كما أرسل رفيقيّ إلى سجن "خمس نجوم.." أو إلى مستشفى مكتظّ بملاءات بيضاء ناصعة، وستائر وردية، وحسناوات..
ما قيمةُ لياليك يا شهرزاد.؟ ما قيمة ألف جرعة هوان انسفحت على جسدك، في ألف ليلة..
إن توقفّتْ حكاياتك، تموتين..
كيف أستطيعُ التراجع عن قدري واختياري ومعركتي.؟
هل أجرؤ أن أفعل وأغنيات أمي المخنوقة ببحّتها الجارحة تستحلفني.؟
ظهيرة اليوم التالي، هطلت مع انتشار الخبر المفجع غيمات ذهول فوق رؤوس الناس، وليس لهم والدهشة تمسك بتلابيبهم إلا ثوابُ مرافقة الجنازة.. يوارونه الثرى، ثم ينفضّون.. يعصرهم الحزن إلى بيوتهم وقراهم القريبة..
بعد أيام مات أبي.. قالوا انفطر قلبه.. وقتله..
حملوني فوق أكتافهم.. رفعت يدي، وصرخت:
- صامدون حتى سقوط المشروع الصهيوني..
كان القيد بانتظاري يا شهرزاد..
أخرجي يا شهرزاد من صمتك الأبدي، وتحدّثي عنّي، فأنا الحكاية..
أنا شفرة سيف مسرور المشرعة وراء الحلم، أنا القدر الآتي إذا نضب نبع خرافاتِك..
مثلما انقضوا على قبيلتك الساكنة في قلب السحاب، وانتزعوك.. قالوا أنت من خنت فراشَهُ، واستبحتِ فحولةَ سواه، وأنت أطهر من صهيل مهرة بكر.. عرّوك حتى العظم، ثم صلبوك.. أي ثمن تدفعينه عن خيانة غيرك.؟
أعادوني إلى المعتقل بعد رحلة الشفاء، قادوني مباشرة إلى مكتبه الوثير..
حسبتُه من أبناء العمومة، يحمل سمرتي، ويتحدث لغتي.. بادرني يقول من بين أسنانه:
- أنت "أبو الهيجا" إذن..؟
ضرب على صدره بخيلاء، وأطلق صوتاً كفحيح أفعى:
- يقولون إنني الأفضل..
كان يتحدث بثقة، يحاولُ أن يعصرَ حاجبيه، فيلتويان كعقرب، يضرب بيده الثقيلة على الطاولة، فيهتز شاربه الكثّ، وينفرج عن شفتين غليظتين:
- أستطيع أن أقذفك إلى جهنّم.. هكذا.. (وقذف العصا إلى فوق).. لكنني لن أفعل قبل أن أحطّم هذا الرأس.. (وطعن بإصبعه صدغي).. وأجعل منك أمثولة..
وكأنه رتّب الأمر مسبقاً.. دخل علينا رجال غلاظ، قادوني إلى الزنزانة رقم "خمسة"..
تسع وتسعين ليلةً، يا شهرزاد.. وأنا مطويّ مثل قنباز أبي..
السقف أقرب إلى مستوى كتفيّ.. والمساحة الضيّقة التي تكاد تتسّع لغفوتي، تشاركني فيها حنفية ماء معطوبة وبالوعة صفراء، عرفت لونها من ثلاثة ثقوب في أعلى الباب الحديدي، يراقبونني منها، وأراقبهم..
يا شهرزاد.. وفتحة مربّعة في أسفله لا تتسع لأكثر من دائرة صحن ألألمنيوم الطافح بالبرغل، والمغطى برغيف مقدّد، يزحف نحوي كل مساء، يحمل معه بصيص ضوء تعرفّت منه على مدى تسع وتسعون ليلة تفاصيل أصابعي المتصلّبة، وقشور قبيحة تتعربش أطرافي خلفّتها مقابض القيد القديم..
أسمع وقع خطواته، يدُقّها بقوة على الأرض، فأقفز.. أراقبه من الثقوب حتى يقترب، فأخفي رأسي.. أعرفُ أنه ينظر إلى الداخل ولا يرى شيئاً.. يضرب الباب بعصاه، ليطمئن على وجودي حياً، فأرسل له صوتي..
- يمّا مويل الهوى يمّا مويليا.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا..
تبتعدُ خطواته، فأحسُّ بنسمة انتصار تقبّل وجهي..
صدّقت يا شهرزاد كيف تعودت المكان طيلة ألف ليلة وليلة.. وذلك الأفّاق يسترسل بوعد الخاتمة، والسيفُ مسلط..
صدّقت كيف تراكمين نصرك ليلة إثر ليلة..
همس لي حارس الزنزانة:
- زيارة لك..
فجأة فُتح الباب السميك، فأرسل صريراً كثيفاً، كان الضوءُ مبهراً، فأطبقتُ جفنَيّ..
جلستُ أمامه، أكاد لا أرى منه غير بذلته المبرقعة.. وأشعرُ بطيف ابتسامة تتعلّق بوجنتيه المتوردتين، وشاربه الغزير:
- سأسمح لك بزيارة..
سكتَ قليلاً وكأنه ينتظر فرحي، ثم تابع:
- إذا صرت "آدمي" أعدك بتكرار ذلك..
بعد ثلاث عشرة سنة.. تزورني أمي..
هل تفرحين يا شهرزاد.؟
حين تسرّب اسمي بين جداول المعتقلين، ردّتني الحياةُ إليها.. نَزَفَتْ فرحَتَها على عتبات مراكز الصليب الأحمر، وضباط الأمن، وحصلت على تصريح زيارة..
تحسستُ أطرافي ورأسي، وجدتُ أنني ما زلت، ورأيت أنه ما زال أيضاً، والمعركة مفتوحة..
وقفتُ يا شهرزاد..
كنتُ مطويّاّ مثل الحلم الموشّى بالقصب.. لكنني جاهدت ووقفت.. خطوت خطوتين في طريقي إلى الباب..
صوتي ينزلق فوق لساني، صلباً كأنني أبدأُ الآن..
- أمي ماتت من زمان..
أبي يربّت على كتفي ويتمتم:
- البكا للنسوان يابا..
وقبل أن أغيب وراء الباب.. ركض ورائي صوته المعبأَ بالشك والدهشة:
- آمنة بنت صايل الزينات.؟
تريثت لحظة، حاولت رفع قامتي قدر ما أستطيع، وحرصت على أن يصل صوتي نقياً لا تخالطُه قطرات من عبرات، أحسست بطعمها المرّ يجرح حلقي..
- آمنة بنت صايل الزينات.. أمي.. ماتت من زمان..
* * * *
بيني وبين دارنا وبرج الحمام وغابة الخروب وقبر سعيد.. جدار، وشريط، وحقل ألغام..
على جانبيه بزّات مبرقعة، وبواريد ثقيلة تترصّدني إن تقدمت خطوة..
وأنا طليق..
قالوا.. هنا حدود وطنِك الجديد.!
كيف أفهم هذا الهراء.؟
يلوح لي قنباز أبي المقصّب من نافذة دارنا الشرقية، وصوت أمي المبحوح يزّف أغنية وهي تنفض حطّته الحريرية، وهديل الحمام يشقّ صمت الأفق..
دلّيني يا شهرزاد..
كيف أنجو من هذا الاختناق.؟

  






ريخـتــر، ومقاييــس أخـرى


تدور الغرفة بي. أحسب أن السرير يروح ويجيء، فأغرز وجهي في الوسادة..
تقفز أمامي كلمات سمعتها صدفة من عالم ألمعي استضافته محطة تلفزيونية ليتحدث في ندوة علمية عن الظواهر الطبيعة المختلفة، وذلك بمناسبة يوم الكسوف الكبير.. فاستفاض صاحبنا في سرد تفاصيل دقيقة وصغيرة عن المضار التي يمكن أن تصيب من ينظر ولو للحظة إلى منظر الكسوف نادر الحدوث لأكثر من مرات معدودة في حياة الإنسان..
وقد عرج بحديثه متطوعاً للتحدث عن الزلازل..
يومها أتى على ذكر معلومات كثيرة ودقيقة، وأدلى بنصائح وتعليمات أكثر في سبيل اتخاذ أسباب الحيطة والحذر، لكنه لم يستطع أن يعطي تعريفاً محدداً، ولا تفسيراً مقبولا،ً ولا معلومة واحدة يستدل منها، متى يمكن توقّع حدوث زلزال.
ولم يفته لفت انتباه المستمعين والمشاهدين الكرام إلى أن بعض الحيوانات "الطيور بشكل خاص" تشعر ولأسباب مجهولة "غريزية على الغالب" بوقوع زلزال قبيل لحظات من وقوعه، وليس أكثر، داعماً نظريته بذكر الكثير من الإشارات التي تدلل على ذلك، كالحركة المضطربة وغير المألوفة التي يفتعلها الطير وكأن مساً من الشيطان أفقده صوابه..
بينما لا يستطيع الإنسان برجاحة عقله، وتصنيفه الأرقى بين المخلوقات، التكهن بوقوع زلزال، إلا في اللحظة التي تهتزّ فيها "الثريا" المعلقة في سقف بيته..
أشار إلى الثريا الثمينة المعلقة فوقهما في الاستديو الفخم..
ثم أطلق ضحكة سخيفة..
ماذا لو أنني أنظر إلى السلك المعلّق في سقف غرفتي، يطبق آخره كحبل مشنقة على عنق مصباح قوة إشعاعه لا تزيد عن 60 شمعة.. أراقبه وهو يهتزّ كذيل إبليس.!
لكنني صممت أن لا أفعل..
أطبقت بقوة أكثر على جفنيّ، وغرزت وجهي في الوسادة..
زلزال قوي سجل ستة درجات على مقياس ريختر ضرب ساحل المكسيك..
زلزال آخر سجل درجة أعلى "لم يعلن عنها لأسباب سياحية على الغالب" ضرب وسط تركيا، وأتى على عشرات القرى..
الضحايا بالمئات، والخسائر تقدّر بملايين الدولارات..
زلزال في جزيرة يابانية، سجل سبع درجات على مقياس ريختر.. الخسائر ماديّة فقط..
حتى الطبيعة تحارب الفقراء.!
فأنا لم أسمع يوماً أن فيضاناً ابتلع قصراً لملك، أو أن حمم أحد البراكين التهمت صالة اجتماعات مجلس رسميّ، ولا صاعقة ضربت هوائي إذاعة تبث على مدار الساعة أخبار الإنجازات الخرافية التي حقّقها هذا الزعيم أو ذاك..
لم أسمع أن غضب الطبيعة بأشكاله المختلفة طال أغنياء أثروا من رشوة أو سرقة، ولم أسمع أنه قضى على أحد من المخططين الاستراتيجيين لدمار الشعوب، ولا على أحد من اللاعبين في ملاعب السياسة وتصاريفها العجيبة والخبيثة..
ترى هل يملكون تلك الحصانة.؟
الآن سيحتدم السباق بين ناقلي الأخبار، ومراسلي وكالات الأنباء العالمية، وملوك الإعلام، أصحاب المحطات التلفزيونية الفضائية واسعة الانتشار في العالم..
يرسلون رجالهم على أجنحة السرعة، يحمّلونهم الكاميرات المتطوّرة، والفتيات الجميلات المغناجات، مع ميكروفوناتهم، وأفلام الدعايات، يتقاطرون خفافاً وثقالاً إلى موقع الحدث الطازج، سعياً محموماً لتحقيق سبق إعلامي، يبثّونه بعد لحظات على الشاشات العالمية بالصوت والصورة..
إشارة تبرز على زاوية الشاشة الفضيّة تقول "خبر عاجل" ويبدأ المذيع الوسيم بالإعلان عن حدوث هزّة أرضية اجتاحت بقعة أرض فقيرة من أرض الله الواسعة، سجلت......... درجة على مقياس ريختر.!
بعد لحظات ستتهاوى الجدران علينا، ويسقط السقف فوقنا، وتتناثر أغراض البيت وحجارته تحمل مزقنا ولحمنا..
ماذا أفعل عندما تأتي زوجتي من الغرفة المجاورة.؟
تحمل أطفالها الثلاثة والرعب ينضح من أطرافها، ويقفز الفزع مختلطاً على لسانها مع فيض كلمات متلعثمة ترجوني أن أفعل شيئاً.!
قبل قليل سمعت نشرة الأخبار..
ورأيت حدائق ومنتزهات، وقصور ريفية، وقاعات وردهات..
رأيت عن بعد وكأن عدسات كاميرات المصورين تسرق رؤوسهم من بين فروع الأشجار الكثيفة.. وجوه طافحة بالابتسام، وسواعد تشتدّ على بعضها، وبروتوكولات، ومجاملات..
تساءلت والدهشة تكاد تعقد لساني..
ترى ماذا يفعلون، وعلى أي أمر يتفاوضون، وبلسان من يتحدثون، ومن يمثّلون.؟
لماذا لم يسألني أحد.؟
وأنا في ركني هنا، على بعد شاسع، أترقّب زلزالاً يشحنني إلى عالم أفضل أو أسوأ أنتظره الآن، وليس لي من أمري شيئاً..
ألا يستطيع هذا الإعلام المعجز، أن يشرح لي حقيقة ما يجري.؟
هذا القادر بوسائله المدهشة على نبش الدودة من قلب الحجر الصلد، والحريص على مطاردة راقصة جميلة ورخيصة، يحصي عليها حركاتها وسكناتها، سهراتها وعشّاقها، آخر مايوه مثير تلبسه، وأحدث صرعات الملابس الفاضحة التي تبتكرها أرقى صالونات "الفضيلة" في العالم..
هذا الإعلام لماذا يحرص على أن يقول ما يجعلني أعيش هموماً جديدة على الدوام ليست لها علاقة بهمّي أو بمشكلتي الأولى وإفرازاتها..
أبو سيّاف يحتجز رهائن.!
طائرات أمريكية وبريطانية تقصف راداراً عراقياً تجرأ ورصد تحرّكها في سمائه الخاصّة.!
متطرفون إسلاميون يذبحون عائلة من سبعة أشخاص في ريف الجزائر.!
فصيل سوداني ديمقراطي يطالب بالانفصال عن السودان.!
ليبيا تدعو لإقامة ولايات متحّدة إفريقية.!
وفود رفيعة المستوى تواصل لليوم العاشر اجتماعاتها المكثّفة تحت مشعل الحريّة.!
قلت.. النوم أفضل.!
حملت الوسادة رأسي، وبدأت فيضانات كاسحة تهزّني شيئاً فشيئاً..
كأن الأرض تدور بي، كأن الزلزال قادم..
فجأة قفزت من ذاكرتي صورة المساعد "أبو سرّي" رئيس المخفر السابق في حيّنا، ذلك الرجل القصير السمين دائم الابتسام، الذي ابتدع أسلوباً عجيباً لفضّ النزاعات المستفحلة والعميقة بين أفراد عائلات المنطقة التي تقع تحت سلطان مخفره.
فكلما حصلت مشاجرة بين طرف وآخر يرسل دورياته للقبض على رؤوس عائلات المتخاصمين، وهم ليسوا بمتخاصمين بالأصل..
يزجّهم في النظارة، ولن يطلق سراحهم حتى يعلنوا المصالحة وتقبيل الشوارب فيما بينهم، بينما تبقى الخلافات والمشاجرات مستمرّة على أشدّها بين المتشاجرين أنفسهم..
وهكذا في كل مرة..
ما كان يقع في دائرة استغرابي، أن سلوكه ذاك كان على الدوام يلقى الرضا والاستحسان عند رؤسائه، وعند أرباب العائلات أنفسهم..!
تركت زوجتي قبل قليل تتابع الحلقة الـ 120 من مسلسل تلفزيوني مكسيكي فاقت أحداثه العجائبية ما تعودنا على متابعته في المسلسلات العربية والهندية..
يبدو أنها موجة إعلامية عالمية فيّاضة تجتاح عالم الفقراء، وتحملهم في لحظات إلى أحلام حريرية، يعيشون دقائقها على أمل انتظار نقلة سحريّة واسعة تحملهم إليها ورقة يانصيب رابحة..
أو حصول معجزة يتحسسونها حيّة يمكن أن تقفز في ثانية مع سير أحداث المسلسل، وتنبسط بألقها بين أيديهم..
يستسلمون في متابعة الأحداث السلسة والشيّقة إلى متعة انتظار مفاجآت لقدر يأتي فجأة بأب غني كان غائباً، أو بثروة من أم أنجبت حراماً..
كأنني أسمع طقطقة السقف، يكاد ينقضّ هو الآخر، والغرفة تدور بي..
ماذا أفعل.؟
- أنقذ الأطفال أولاً.! أحملهم وأخرج بهم مع زوجتي، أبحث لهم عن مكان أمين بعيد عن العمران..
بعد لحظة أبعدت الفكرة عن مخيلتي..
إن أقرب مكان يمكن أن أقصده سيستغرقني أكثر من عشر دقائق، لن تنقذني وأسرتي بأي حال من إطباق جدران البيوت علينا، شوارع الحي الذي أقيم فيه ضيقة، وتكاد أسقف البيوت أن تتشابك..
هؤلاء الفقراء النهمون، يبلغ بهم الأمر إلى استغلال الشبر من الأرض واستعماله لبناء خشّة، غالباً ما تقوم في ظلام ليل، وعلى عجل، فالمنطقة كلها تعتبر منطقة مخالفات لخرائط التنظيم، ورسومات تجميل المدينة، وتعليمات البلدية، لتجدها مع تباشير الصباح مأهولة بالسكان، تنقذهم إلى حين من قرارات الهدم الفوري، لتسقط وحدها ذات يوم..



  
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alawbi.4umer.com
dosman

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 60
العمر : 30
تاريخ التسجيل : 15/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: اخاف ان يدركني الصباح   الأحد مايو 04, 2008 12:18 pm

مشكور على هذي القصه الجميله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اخاف ان يدركني الصباح
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتدى القصص مؤثره :: منتدى الكتب :: منوعات-
انتقل الى: